فخر الدين الرازي
513
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
بالجنة ، وغرض الفريق الثاني الترغيب في طلب الفتح والنصرة ، وعلى هذا التقدير لا يكون في واحد من القولين ما ينقض الآخر . المسألة الثانية : الطاقة مصدر بمنزلة الإطاقة ، يقال : أطقت الشيء إطاقة وطاقة ، ومثلها أطاع إطاعة ، والاسم الطاعة ، وأغار يغير إغارة والاسم الغارة ، وأجاب يجيب إجابة والاسم الجابة وفي المثل : أساء سمعا فأساء جابة ، أي جوابا . أما قوله تعالى : قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ ففيه سؤال ، وهو أنه تعالى لم جعلهم ظانين ولم يجعلهم حازمين ؟ وجوابه : أن السبب فيه أمور الأول : وهو قول قتادة : أن المراد من لقاء اللّه الموت ، قال عليه الصلاة والسلام : « من أحب لقاء اللّه أحب اللّه لقاءه ومن كره لقاء اللّه كره اللّه لقاءه » وهؤلاء المؤمنون لما وطنوا أنفسهم على القتل ، وغلب على ظنونهم أنهم لا يتخلصون من الموت ، لا جرم قيل في صفتهم : إنهم يظنون أنهم ملاقوا اللّه الثاني : الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ أي ملاقوا ثواب اللّه بسبب هذه الطاعة ، وذلك لأن أحدا لا يعلم عاقبة أمره ، فلا بد أن يكون ظانا راجيا وإن بلغ في الطاعة أبلغ الأمر ، إلا من أخبر اللّه بعاقبة أمره ، وهذا قول أبي مسلم وهو حسن . الوجه الثالث : أن يكون المعنى : قال الذين يظنون أنهم ملاقوا طاعة اللّه ، وذلك لأن الإنسان لا يمكنه أن يكون قاطعا بأن هذا العمل الذي عمله طاعة ، لأنه ربما أتى فيه بشيء من الرياء والسمعة ، ولا يكون بنية خالصة فحينئذ لا يكون الفعل طاعة ، إنما الممكن فيه أن يظن أنه أتى به على نعت الطاعة والإخلاص . الوجه الرابع : أنا ذكرنا في تفسير قوله تعالى : أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ أن المراد بالسكينة على قول بعض المفسرين أنه كان في التابوت كتب إلهية نازلة على الأنبياء المتقدمين ، دالة على حصول النصر والظفر لطالوت وجنوده ، ولكنه ما كان في تلك الكتب أن النصر والظفر يحصل في المرة الأولى أو بعدها ، فقوله : الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ يعني الذين يظنون أنهم ملاقوا وعد اللّه بالظفر ، وإنما جعله ظنا لا يقينا لأن حصوله في الجملة وإن كان قطعا إلا أن حصوله في المرة الأولى ما كان إلا على سبيل حسن الظن . الوجه الخامس : قال كثير من المفسرين : المراد بقوله : يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ أنهم يعلمون ويوقنون ، إلا أنه أطلق لفظ الظن على اليقين على سبيل المجاز لما بين الظن واليقين من المشابهة في تأكد الاعتقاد . أما قوله : كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ففيه مسائل : المسألة الأولى : المراد منه تقوية قلوب الذين قالوا : لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ والمعنى أنه لا عبرة بكثرة العدد إنما العبرة بالتأييد الإلهي ، والنصر السماوي ، فإذا جاءت الدولة فلا مضرة في القلة والذلة ، وإذا جاءت المحنة فلا منفعة في كثرة العدد والعدة . المسألة الثانية : الفئة : الجماعة ، لأن بعضهم قد فاء إلى بعض فصاروا جماعة ، وقال الزجاج : أصل الفئة من قولهم : فأوت رأسه بالسيف ، وفأيت إذا قطعت ، فالفئة الفرقة من الناس ، كأنها قطعة منهم .